أحمد بن علي القلقشندي
208
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وجامعها من أبدع الجوامع وأحسنها منظرا ، وهو محكم البناء لا يلاصقه بناء ، تحفّ به دكاكين الشّهود والعطَّارين ، وقد قام سقفه على أعمدة حسان ، والماء يجرى داخلة ، ومساجدها [ ورباطاتها ] لا تكاد تحصى لكثرتها . وذكر في « مسالك الأبصار » : أنها قليلة مهبّ الرياح ، لا تجري بها الريح إلا نادرا لاكتناف الجبال إيّاها . ثم قال : وأصل أنهارها نهران عظيمان ( شنيل ) ( 1 ) و ( حدرّه ) . أما شنيل ، فينحدر من جبل شكير بجنوبيها ويمرّ على غربيّ غرناطة إلى فحصها ، يشقّ فيها أربعين ميلا بين بساتين وقرى وضياع كثيرة البيوت والغلال وأبراج الحمام وغير ذلك . قال : وينتهي فحصها إلى ( لوشة ) ( 2 ) حيث أصحاب الكهف على قول ، وجبل شكير المذكور هو طود شامخ لا ينفكّ عنه الثلج شتاء ولا صيفا ، فهو لذلك شديد البرد ، ويؤثّر برده بغرناطة في الشتاء : لقربه منها إذ ليس بينه وبينها سوى عشرة أميال . وفي ذلك يقول ابن صدرة الشاعر قاتله اللَّه : ( طويل ) . أحلّ لنا ترك الصلاة بأرضكم ، وشرب الحميّا ( 3 ) وهو شيء محرّم فرارا إلى نار الجحيم لأنّها أرقّ علينا من شكير وأرحم ! لئن كان ربّي مدخلي في جهنّم ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم ! وأما حدرّه ، فينحدر من جبل بناحية ( وادياش ) ( 4 ) شرقيّ شكير فيمرّ بين
--> ( 1 ) في معجم البلدان ( ج 3 ، ص 264 ) سنجل وهو الأظهر . وقد جاء هذا الاستدراك أيضا في طبعة دار الكتب المصرية . ( 2 ) لوشة : مدينة بالأندلس غربي إلبيرة قبل قرطبة منحرفة يسيرا . انظر معجم البلدان ( ج 5 ، ص 26 ) ( 3 ) الحميّا : الخمرة . ( 4 ) وادياش : وادي آش Gaudix . مدينة تقع شمال شرقي غرناطة . انظر نفح الطيب للمقري ( ج 1 ، ص 149 وص 150 ) ومحمد عبد اللَّه عنان ، الآثار الأندلسية الباقية في أسبانيا والبرتغال ( ص 215 )